عبد الرحمن بدوي

287

أرسطو عند العرب

ولا يوجد أحدهما دون الآخر . فإن كان هذا على ما وصفنا رجعنا فقلنا إن كان ( الهيولى « 1 » ) قابلا لجميع الصور كما ذكرنا آنفا كانت لا محالة الصورة التي ليست في الهيولى بعد هي فيه بالعدم لأنه ( قادر « 2 » ) على الاستحالة إليها . فلذلك إذا ما استحال الهيولى إلى بعض الصور قيل إنه استحال إلى عدم تلك الصورة التي كانت فيه أولا ؛ فلولا أنه لم يكن فيه قوة قبول تلك الصورة لما استحال إليها . وإنما صارت فيه قوة قبول هذه الصورة من جهة العدم وذلك أنه لو كانت الصورة في الهيولى بالفعل لم تكن الهيولى عديمة بها ولو لم تكن [ 114 ب ] الهيولى متهيئة لقبولها لما استحال إليها البتة ، فعلى هذه الصفة قيل إن كل مكون إنما يكون من عدمه ومن استحالة الحامل له إليه . فلذلك صار أسطقسّ كل مكون وبدؤه فهو العدم يعرض . وذلك أن الهيولى في المستحيل إلى الشئ المكون هو أسطقس ذلك الشئ حقا ، لأن عدم الشئ المكون هو في الهيولى أولا . فعلى هذه الجهة يقال إن الشئ يستحيل إلى عدمه ، شبه الحار فإنه يكون من اللّاحار ، لا من لا حلو ، لأن : لا حارّ يدل على الحارّ بالقوة . أقول : إن الشئ يستحيل من عدم الحرارة بعينها ، ولا يستحيل من الحلو بالقوة إلى الحرارة بالفعل ، ولا من عدم الحلاوة إلى وجود الحرارة ؛ بل يستحيل الشئ من الحرارة بالقوة إلى الحرارة بالفعل ، ومن عدمه إلى وجوده . فعلى هذه الصفة تستحيل الهيولى من عدم الشئ إلى وجوده ، ومن القوة إلى الفعل . ونقول أيضا إن الهيولى تتصور بصور متضادة ، غير أنها إنما تقبل الأضداد مرة بعد مرة ، لا جملة . فأما صور الأجرام الأولى المتضادة الملموسة الكائنة في الهيولى فهي إتيان حرارة وبرودة ورطوبة ويبوسة . وهذه الصورة هي التي تحدّ وتميز الأجرام الأولى المبسوطة « 3 » الواقعة تحت الكون والفساد . فإن كان هذا على ما ذكرنا وكانت الهيولى قابلة هذه الصورة المتضادة ، كانت الهيولى لا محالة مع بعض هذه الصور أو مع جلها دائما . فتكون الهيولى إذن لم يكن فيه بعض هذه الصور المتضادة والعدم ذلك في ضد تلك الصورة ؛ فتكون حينئذ الهيولى إذا كان في ضد الحرارة كان في عدمها أيضا ، ولا يزال قائما في عدم الصورة ما دام ثابتا قائما في ضدها : فإن كان هذا على ما وصفنا وكان وجود ضد الشئ مفارقا لوجود عدم الشئ ،

--> ( 1 ) خرم . ( 2 ) خرم . ( 3 ) أي البسيطة .